بن عيسى باطاهر

88

المقابلة في القرآن الكريم

وإذا كنا لا نجد في القرآن الكريم تعريفات محدّدة للخير والشر ، فما هو الخير والشر في نظر القرآن الكريم ؟ إن هناك أمورا واضحة صريحة في باب الخير ، كما أن هناك أمورا واضحة صريحة في باب الشر ، والقرآن الكريم يعترف بذلك كلّه لأنهما شيئان متصارعان في الحياة ، وهما متقابلان تقابل النقيض لنقيضه « 1 » ، ولكن ما يميّز المنهج القرآني أنه يدعو إلى ما يراه خيرا ، وينهى عن الذي يراه شرا ، وقد عدّ أمورا وحقائق من الخير المحض ، وعدّ أمورا أخرى من الشرّ ، ثم إنه جمع الخير كلّه في دائرة واحدة هي « المعروف » ، وطوى الشرّ كله تحت حكم واحد هو « المنكر » ، فالخير هو « المعروف » وهو « التقوى » وهو « الفضيلة » ، أما الشر فهو « المنكر » وهو « الكفر » وهو « الرذيلة » ، ومن هذه المتضادات ينشأ الصراع الذي نراه في الحياة بين الخير والشر . ونمضي الآن إلى بيان نظرة القرآن الكريم إلى الخير والشر من خلال بعض الآيات في سورة « التوبة » - والتي ركّزنا حولها هذه الدراسة - ولا بدّ من الإشارة إلى اتساع هذا الموضوع ، وشموله لقضايا كثيرة تتعلق بالحياة الإنسانية كلها ، وحسبنا أن نشير إلى بعض الآيات التي فيها حديث عن الخير والشر في صورة تقابلية ، والتي سيكون فيها غناء عن كل ما يتعلق بهذا الموضوع الواسع ، ونشير كذلك إلى أن طريقة العرض التي سيختارها القرآن الكريم ستكون المقابلة ، حيث يمكن الجمع بين المتضادات لتعرض الصورة كاملة ، ولتعرف النفس البشرية حقائق الأشياء سواء أكانت خيرا أو شرا ، ضررا أو منفعة ، ثم لتعرف كيف تختار بين هذا وذاك ، ولتعرف السير على وعي تام ووفق منهج واضح يقودها إلى إحدى الطريقين . قال تعالى : أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ التوبة : 109 ] .

--> ( 1 ) ينظر عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 3 - ص 888 .